عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

41

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

وجب هذا الإجمام فيها لأنها آلات جسمانية وصور في مواد ، فيعرض لها من الكلال والفتور بكثرة الاستعمال ما يعرض لجميع الأقسام ، فيضطر فيها إلى الإزاحة لتعود إلى حالتها ولتتلاقى الطبيعة في تلك الحال ما عرض لها من نقص وخلل فتتمه . ومثال ذلك : أن العين إذا اشتغلت بالنظر فإنما يتم فعلها بالروح المتهذب في الشريانات التي في بطون الدماغ وهو يأتي إلى العصبة المجوفة المنقسمة إلى ثقبتي العين وهو من اللطف بحيث يتخلل من ذلك الثقب في طبقات العين ويخرج معه الشعاع بالقوة الذي يتبعه ويستكمل بالضوء الذي يصادفه من خارج العين في الهواء من الشمس أو من غيرها ، فيقبل من صور الأشياء التي حصلت في الجرم الصقيل من ناظر العين ما يسمى رؤية وبصرا ، فإذا تخلل ذلك الروح المتهذب الصافي بأجمعه تبعه الكدر منه والغليظ ، ولذلك يحس الإنسان في تلك الحال بألم يعرض في عينيه وكأنه يجد فيها شبيها بالرمد والخشونة ؛ لأن مثل العين في تلك الحال مثل حوض فيه ماء صاف رائق فخرج من منفذه أولا ، ثم تبعه الكدر ، فإن سد ذلك المنفذ ولم يسمح إليه ماء أخرجه أمره على الاستقامة ، وإلا فسد وفنى ماء الحوض ، فكذلك حال العين ، إذا فني الروح الصافي منها وجب أن تسد ثقيلها وتطبق جفنها إلى أن يستجمع فيها من الروح الصافي ما يكون سبب إبصارها ولا تزال هذه متداولة للعين ما دام أمرها جاريا على المجرى الطبيعي ، وإذا كان ذلك كذلك فالإجمام واجب في العين وسائر الحواس ، وإن كان في العين أوجب ، وهذا الإجمام هو النوم ، فأما سببه فقد ذكرناه ونعود الآن فنقول : إن النفس في تلك الحال التي تتعطل فيها الحواس لا تهدأ من الحركة ، فإذا لم تجد الجزئيات من خارج عادت إلى ما حصلته واستفادته من الحواس واستحفظته في القوة الحافظة التي سميناها الذاكرة وهي كالخزانة لها ، فأخذت تتصفحه وأقبلت تستعرضه فربما ركبت تلك الأشياء بعضها على بعض وهو شبيه بالعبث من فعلها ، وهو ما يرى الإنسان في نومه كأنه يطير وكان جملا مركبا على طائر وثورا على بدن إنسان وضروب التركيبات الباطلة ، وجميع هذه تسمى أضغاث أحلام . فأما إذا تحركت النفس في حال النوم نحو العقل ولم تشتغل بتصفح ما استفادته من الحواس . رأت حينئذ الأشياء المعدومة على الكون في الأحوال المستقبلة فإن كان هناك حظ من هذا المعنى وافرا كان ما يرى صادقا بغير تأويل ؛ لأنها ترى الشيء بعينه ، وإن كان الحظ قليلا كان ما تراه مرموزا يحتاج إلى تأويل ، وهذه الحال غير أحوال النبوة ؛ لأن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - تكون هذه حاله في يقظته ونومه ، ويكون مستمرا به ، فأما ما غيره من أبناء الناس فإنما يعرض لهم ذلك في النوم وفي